عاجل

تساؤلات قد تكون محقة في صراع لم يبدأ بعد.. بقلم : دريد درغام

2022-03-06

تساؤلات قد تكون محقة في صراع لم يبدأ بعد.. بقلم : دريد درغام

يبدو أن الغرب قد مل من النديم أو العدو الافتراضي في مختلف ألعاب الفيديو والحواسب والجوال. وتفاقمت المشاكل فيه وتورمت حتى الانفجار ولم تعد تجدي الحلول التقليدية بالهروب للأمام فعادت الحاجة إلى حرب كبرى تخلط الأوراق على أمل خضوع من يهزم لنفوذ من ينتصر.. فهل الحرب الحالية تمهيد لانفجار كبير على المستوى الدولي؟ وهل سيخرج منها منتصر؟ وهل ستخرج بعوالم أكثر بأجوبة أسلم على التساؤلات الحقيقية كي نصل إلى عتبات تحوي "إنسانية" أكثر مما تحوي من البشر؟

إذا كررت الحرب الحالية تجربة انضمام أو ضم القرم، سيضطر العالم لانتظار سنوات جديدة قبل الانفجار الكبير بانتظار طرح التساؤلات الحقيقية. أما إذا كانت الحرب كبرى سيصعب خروج منتصر منها (بوجود الأسلحة النووية).

يقول المفكرون من أمثال راسل أن العدو من خارج أي تجمع بشري (عشيرة، قبيلة، منطقة، بلد، أمة) يعتبر ضرورة لتماسك أفراد التجمع. أما غياب العدو فيهدد التماسك خلف زعيم القبيلة أو السلطة أو الحكومة. وارتبط العدو في الماضي بالجغرافيا والملكية المادية. ومع الزمن وتطور وسائل الإعلام خرج العدو من الجغرافيا إلى التاريخ ثم إلى العقل الحاضر والخيال المستقبلي. وأصبح بالإمكان تصنيع أعداء على شكل أرواح يمكن استحضارها عند الضرورة لتجميع الجماعات "غير القابلة للتجميع".

قبل نصف قرن ركب الغرب (أمريكا) موجة الإسلام السياسي واستخدمها لتجميع الأفغان وما شابههم في وجه عدو تلك الأيام "الشيوعية السوفييتية". ومع زوال ذلك العدو التقليدي للغرب تم استحضار العدو الجديد "الإسلام السياسي بثوب الإرهاب المنظم" (بنسخه المختلفة: طالبان والقاعدة وداعش). لم تنفع كورونا وأقنعتها وأشهر الحظر فيها في حل الأزمة الاقتصادية البنيوية فتطلب الأمر البحث عن حلعدو مختلف لاستعادة النفوذ اللازم لفرض القوانين التي يراها الأقوياء مناسبة لهم.

تقوم العلوم الاجتماعية وتصاغ قوانينها على مفهوم النفوذ الذي يعرف بإنتاج تأثيرات مقصودة على الناس. ويتنوع النفوذ بين نفوذ مباشر (فيزيائي من خلال الشرطة والجيش) وغير مباشر (بالتحفيز من خلال الثواب والعقاب مثل التأثير بالحوافز أو على الآراء من خلال الدعاية والإعلام). وإذا كان النفوذ التقليدي (رجال الدين) لا يحتاج للتبرير أو لإثبات الذات كون الناس تقبله بسبب المعتقدات المترسخة عبر الزمن؛ فإن النفوذ المستجد بحاجة للتذكير دوماً وغالباً ما يسمى النفوذ "الفج" المرتبط بالقوة العسكرية التي تمارس داخل البلد من جهة داخلية أو من محتل خارجي وهو نفوذ قد يستخدم أدوات مختلفة تتنوع بين الثروة والمعرفة التقنية والتطرف.

وقد يعتقد البعض أن الصراع الروسي الأوكراني هو المهم فيما ورد أعلاه. بالحقيقة بعد صراعات دولية لقرون تركزت على تكرار عمليات الإخضاع لنفوذ ديني أو ثقافي أو مالية أو عسكري أو خليط منها، أكدت الفترات الماضية أن الصراعات الدولية تتمحور حول تساؤلات رئيسية من أهمها:

1. بقراءة التنفيذ الفعلي لعقيدة الرئيس الأمريكي "مونرو" نجد أن الولايات المتحدة قد نجحت دوماً في التأجيج عن بعد للصراعات في الدول القادرة على تسديد فاتورة القتال؛ كما نجحت في توقيت الدخول كمنتصر رئيسي في النهايات عندما يكون الجميع منهكين لتحدد كيفية توزيع حصتها من فواتير إعادة البناء. فهل ستنجح في هذه الرياضة القذرة من جديد؟

2. عندما قام بوش الأب بتشكيل لجنة من مئات الخبراء حول كيفية تحقيق الهيمنة الأمريكية والتحضير لمواجهة أي سوء استخدام للأسلحة النووية للامبراطورية السوفييتية، فوجئ الخبراء بسلمية انهيار الاتحاد السوفييتي فاستمرت النقاشات في أجواء افتراضية غير معروفة واعتبر بعضهم أن من ورث الترسانة النووية ستنهك تكاليف صيانتها موازنته المنهكة أصلاً. فهل الحديث عن حرب نووية يعني أن الأمريكان وغيرهم قد درسوا جيداً نتائج مثل هذا الجنون النووي وغير النووي؟

3. في فترة ما بعد بوش الأب كان الهم الأكبر تثبيت الهيمنة الأمريكية سواء بأساليب ناعمة على طريقة كلينتون أو بأساليب عنيفة على طريقة بوش الابن أو بخليط منها في فترة أوباما التي شهدت الهروب الكبير أمام الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة. وفي فترة ترامب تبين أن الانفجار قريب فتم اللجوء إلى مسلسل كورونا، وقد نجح هذا اللجوء في الادعاء لأكثر من سنتين بأن وباء كورونا هو السبب في الكوارث الاقتصادية التي حلت في مختلف أصقاع الأرض. وكان الثمن هو تبني الدول الرأسمالية لمزيد من الأساليب الاشتراكية في توزيع الدعم والإعانات للفقراء والعاطلين عن العمل مما زاد في عجز الحكومات عن المضي قدماً. وبعد تراجع الدول المتقدمة بالتدريج عن ارتداء الأقنعة في الأماكن العامة وتخليها عن الهلوسة "الكورونية"، هل يمكن الاستمرار بالهروب من الإجابة على التساؤل الجوهري حول انفراد دولة فقط بمفاتيح تمويل التجارة العالمية وهيمنتها على حجم كبير من احتياطات الدول التي أجبرت على الادخار بالدولار الأمريكي؟

4. صدر الميثاق الوطني الأمريكي بعد أحداث أيلول 2001 ولأول مرة لم تكتف أميركا بمعاقبة الدول المصنفة "مارقة" وإنما هددت أي مصرف أو دولة (لا تقوم بإغلاق الحسابات المصرفية للمعاقبين بأمر أمريكا) أو أي جهة (يثبت أنها تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع المعاقبين). فأصبحت المصارف وبالأخص ضباط الارتباط المختصين بعمليات غسل الأموال أصحاب القرار الحقيقيين وتحولوا بدون علمهم لاستخبارات في خدمة المصالح الأمريكية. وطالما أن المعنيين بهذه العقوبات دول صغيرة نسبياً (كوريا، السودان، كوبا، إيران، سورية..) اعتبرت الدول العظمى أنها بمنأى عن مثل هذه السلوكيات المشينة. ويبدو أن السكوت عن ذلك قد منح الولايات المتحدة القدرة على ممارسة ضغوط أقسى من أي حرب. وهذا ما دفعني في عام 2008 لكتابة عدة مقالات باعتبار استخدام النظام المالي العالمي الحالي السلاح الأخطر في يد أميركا في حال استخدمته في وجه دول كبرى. وهنا يعود السؤال الذي طرح بعد الحرب العالمية الثانية: هل يحق لدولة ما أن تعتبر أن عمليتها الوطنية تصلح لتكون مصدرة للعملة العالمية الخاصة بقياس التبادلات التجارية وتسديد قيمها وادخار الثروات فيها؟

مع أن تجارب الماضي أكدت أن الحلول تفرض فرضاً من قبل المنتصر، إلا أن طبيعة الأزمات الحالية تتطلب أن تكون هذه التساؤلات قد تمت الإجابة عليها أو على الأقل تم وضع تصورات بخصوصها قبل عقود وسنوات ومن قبل جميع الخبراء. وأملنا أن تكون سيناريوهات الإجابات جاهزة لدى المتصارعين الحاليين و"القادمين" على ميدان الصراع المتفاقم؟ وأن يكون فيما ورد أعلاه محرضاً لحوار لا ينتظر نتائج ميادين الضغوط المالية والاقتصادية والعسكرية وإنما يتطلع إلى الإنسان كقيمة معنوية وروح تسمو على القيم المالية وزج الأعداد في معارك البحث عن نفوذ زائل حكماً.


التعليقات

إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها

لا يوجد تعليقات حالياً

شاركنا رأيك

Create Account



Log In Your Account