عاجل

حلم المصافحة مع يد الأسد .. بين تركيا واسرائيل .. هل نغلق القمقم ...

2022-11-30

حلم المصافحة مع يد الأسد .. بين تركيا واسرائيل .. هل نغلق القمقم العثماني؟بقلم نارام سرجون

اذكر انني عندما قرأت عبارة نيتشه بأن الله قد مات احسست بالصدمة والرجة في كياني وأنا المؤمن .. لأن لقاء هاتين الكلمتين كان مستحيلا .. فكيف يلتقي الله والموت ويسري على الله فعل الموت الذي يسري على البشر .. والله هو الذي يتحكم بالموت فاذا بنيتشه يصطاد الله نفسه بفخ الموت .. ويجعله ضحية الموت..


رغم انني فزعت واحسست لحظة قراءتي للعبارة انني ارتكبت معصية اذ قرأت الكفر وأشحت وجهي عن السطور .. الا انني أحسست ان نيتشه قد زرع الجسارة في نفسي كي افكر بحرية وأن أدافع عن الله بطريقة مختلفة عن الطريقة التي يدافع فيها المتدينون والدينيون عن يقين الله .. لأن فهمي لنيتشه يومها أن الله الذي صنعه بعض رجال الدين لنا في المساجد والكنائس والمعابد قد مات فعلا .. وعلينا البحث عن الله الذي لايصنعه رجال الدين بل يكتشفه العقل والعلم والروح الانسانية الحرة..


منذ تلك الصدمة لم أعد أجد ان عقلي يمتنع عن مناقشة أي شيء بل صار عقلا حرا .. وصار المنطق والصفاء هما وسيلته للتعرف على الاشياء وممارسة الحياة .. واليوم يحاول بعض التواقين لجذب الناس الى عناوين كتاباتهم ان يكتبوا لنا بطريقة الصدمة والابهار .. وكأن أحدهم يعيد عبارة نيتشة ان الله قد مات .. وهؤلاء هم من يروج للسلام مع الاسرائيليين وللتطبيع .. ويقولون ان الله الذي منح المسجد الاقصى قدسيته قد مات .. وان قصة فلسطين قد ماتت .. وأن المسجد الاقصى قد مات .. وان الحق القديم لنا في فلسطين من البحر الى النهر قد مات .. وهؤلاء لايريدون شيئا الا قتل الحق وقتل الله نفسه لأن من يقبل بهذا السلب لفلسطين وأهلها يعترف ان الله قد مات وأن لاجدوى من البحث عن الحق والعدل..


وهؤلاء الذين يكتبون لنا اليوم عن مصافحة الاسد واردوغان لايختلفون عن المطبعين .. بل وأظن انهم هم أنفسهم المطبعون مع اسرائيل .. عجيب أمر هؤلاء الذين يكتبون بسهولة عن لقاء الأسد باردوغان وكأنهم يبيعون الفجل في سوق الخضار .. ويقفز هؤلاء على الفور الى الاستعانة بمصافحة السيسي وأردوغان ومصافحة الأسد وحماس .. ويقولون ان هذه المصافحات التي كانت مستحيلة هي مقدمة لمصافحة الاسد وأردوغان..


هذا الاجتهاد لايكشف الا منطقا ضحلا .. ليس لأن الاسد لايصافح أردوغان من باب المكابرة والعناد .. بل لأن أي مصافحة بين الاسد وأردوغان قبل أن يغادر الارض السورية تعني ان اردوغان نجح في نسخ النموذج الاسرائيلي في علاقته بنا (الأمن مقابل السلام) بدل (الارض مقابل السلام) .. فخلافنا الرئيسي والجوهري مه الاسرائيليين ليس في الدين وليس في العقيدة بل هو على الارض ومنها ولد الصراع الوجودي .. فخروجنا من الأرض سيخرجنا من الوجود .. وخروجهم من الارض سيخرجهم من الوجود .. ولذلك وضعنا معادلة الارض مقابل السلام .. بينما يصر الاسرائيليون على معادلة السلام مقابل السلام .. والامن مقابل السلام..
ووفق المنطق التركي اليوم فاننا أمام حالة مع المنطق المطابق للمنطق الاسرائيلي .. فاردوغان يريد فعلا السلام والامن مقابل السلام والامن .. ولكنه يريد الاحتفاظ بالارض .. فهو لم يبد اي اشارة تدل على رغبته او نيته في التخلي عن الارض سلما..

 

 


ومصافحته مع السيسي ليس فيها أي تنازل مادي بل تنازل معنوي فقط .. فهو ليس على حدود مصر .. ولايحتل شبرا منها .. بينما هو لايزال يحتل لواء اسكندرون .. وهو لم يقتل عشرت الاف الشباب والنساء المصريين كما فعل مع السوريين .. وهو لايدعي في الدستور التركي ان أي أرض مصرية تتبع للامبراطورية العثمانية القديمة كما هي حلب والموصل التي لاتزال في الدستور التركي والميزانية التركية من ممتلكات الدولة التركية التي لم تتنازل عنها ولاتزال تخصص ليرة تركية سنويا في الميزانية لحلب والموصل كرمز واصرار ععلى عدم سقوط ولايتها وحقها في حلب والموصل .. وعلاقته بمصر هي نوع من الحنين للتوسع الامبراطوري الاضافي لكن سورية والعراق في العقل العثماني هما اساسا الدولة العثمانية وساقاها اللتان سعت بهما في التوسع وهما نقطتا الارتكار الرئيسيتان .. وتركيا من غير سورية والعراق هي جسد مقطوع الارجل .. وكل تركيا اليوم مهما فعلت من غير سورية والعراق هي دولة على مرسي متحرك..
ومصافحة الأسد وحماس لاتشبه الوضع السوري التركي لأن حماس لاتحتل أرضا سورية ولاتدعي ان سورية جزء من امارة غزة..

أخطأت حماس وكفرت ولحم أكتافها العسكرية من كتفنا .. وبارودها كان في بنادقنا .. ولكن تركيا عدوتنا منذ 400 سنة مضت ولاتزال أثار مخابها في وجوهنا وأثار سياطها على ظهورنا وسفربلكها لم نشف منه حتى اليوم وخوازيقها التي دقت بأسفلنا لاتزال في ساحاتنا..
لذلك يبدو ان المصافحة السورية التركية التي تسبق استعادة الارض شبيهة بمصافحة السادات للاسرائيليين .. فقد اندفع السادات للمصافحة ليدخل التاريخ ويستعيد أرضه في أشهر .. ولكنه بعد ان صافح الاسرائيليين اكتشف انه لايستطيع استعادة الارض كما وعده صديقه كيسنجر الا بعد ان يدفع ثمنها بشكل باهظ .. فقد كان عليه ان يقتلع جذور مصر العربية من شروشها وأن يفرعنها وأن يفرغها من عروبتها وان يبقي سيناء مساحة للفراغ كحديقة خلفية لاسرائيل كي تنام مرتاحة وان لايتحرر منها الا الجزء الذي دخله الجيش المصري عنوة بالحرب على الشاطئ الشرقي أما الباقي فانه أمانة بيد اميريكا .. وان يسلم اقتصاد مصر للبنك الدولي ويسلم زراعتها وقمحها للزراعات الدولية التي لاتطعم شعبها كي ينتظر المساعدات السنوية القادمة من البحر .. وكان على السادات أن يقبل دفع الثمن لأنه دخل الرهان قبل ان يستلم الارض .. ولما أعيدت له سيناء كانت مصر قد أخرجت من تاريخ الشرق الاوسط كله وصارت من جماعة النأي بالنفس .. ووضعت نظارات شمسية سميكة على عينيها وصارت تمشي كما الضرير في وسط حرائق الشرق الاوسط تلسعها النار ولاتقدر أن ترى ماتفعل اسرائيل في فلسطين وماتفعل اميريكا في لبنان والعراق والخليج وليبيا والسودان وسورية..


نصيحة الى أردوغان ألا يكثر من هذه الأمنيات والكلام المعسول .. والى كل من يكتب لنا عن هذه المصافحة السورية التركية القادمة .. تذكروا أن اردوغان يعلم تماما ماذا عليه أن يفعل كي نسمح له بهذه المصافحة .. فهناك مياه الفرات المسروقة .. وهناك المعامل المسروقة .. وهناك البشر المسروقون .. وهناك الذهب المسروق والصوامع والقمح والنفط والآثار والدم المسروق والاعضاء البشرية المسروقة .. والأمان المسروق .. والطمأنينة المسروقة .. والسلام المسروق بين الجار والجار .. والاسلام المسروق الذي خدم شركة بلاكووتر من تركيا .. وهذه المصافحة ان حدثت واتمنى ألا تحدث دون أن تقبل تركيا قدمنا ليست مصافحة الغفران بل مصافحة وداعا لتركيا .. لاقفال ابواب الشمال السوري بالمزاليج الفولاذية واغلاق القمقم على مارد الدخان التركي الذي أخرجناه من قمقمه فصار يخيرنا في طريقة موتنا وقتلنا .. وهذه المصافحة يجب ان تكون مثل مصافحة ومجاملة علاء الدين للمارد قبل اغلاق القمقم ورميه في البحر لألف عام..


من سخريات القدر أن من يستمع للأتراك اليوم وللقيادات التركية ولتكرار اردوغان وحزب عدالته حلمه ان يتصافح مع الاسد يحس أن أكبر أمنية له اليوم وأكبر حلم لتركيا هي ان يقبل الأسد مد يده لهذه المصافحة .. كما يحلم بها كل اسرائيلي منذ عقود حتى ان أولمرت ذهب الى فرنسا واقترب من الاسد فقط من أجل ان يلتقط صورة تخلدها التوراة وهو يصافح الاسد .. والعقدة التركية هي نفس العقدة الاسرائيلية .. فالاسرائيلي صافح معظم القيادات العربية ولكن المصافحة الأثيرة الى قلبه والعزيزة على فؤاده هي المصافحة مع يد الاسد التي صارت حلما اسرائيليا وحلما توراتيا .. وهي اليوم حلم تركيا وقياداتها لأن هذه المصافحة ستنقذ أردوغان وتنقذ تركيا من ورطتها مع صندوق المشاكل الذي فتحته من مشكلة الاكراد الى اللاجئين الى التعثر الاقتصادي الى المشاكل الامنية..


أنا شخصيا وككل مواطن سوري لاأثق بأردوغان ولا بتركيا .. ولاأتوقع اي مصافحة قبل اعلان تركيا الصريح انها قوة محتلة وانها سحبت قواتها من سورية وتعلن انها لاشأن لها بالشؤون الداخلية السورية .. ولا دخل لها بالدستور السوري فهو شيء لايعنبها ولايحق لها النظر او ابداء الرأي فيه .. وعليها ان تتعهد بطرد كل المجرمين المعارضين من أراضيها أو اسكاتهم الى الابد .. وغير ذلك فان أي مصافحة مع تركيا ستكون مجانية وورطة وفخا وستشبه مصافحتنا للاسرائيليين ومصافحة السادات لبيغين .. فبعدها سيبدأ الابتزاز والمراوغة والتسويف الى ان تصبح سورية بلدية تابعة لتركيا واقتصادها تابعا لتركيا وتبقى ادلب كما هي سيناء منزوعة السيادة والسلاح ولايقدر الجندي السوري المرور فيها الا مجردا من السلاح بعد أن يتقدم بطلب دخول لتوافق عليه السلطات التركية .. كما هي حال سيناء اليوم .. ويصبح لواء اسكندرون منسيا كما حدث مع غزة التي كانت مصرية يوما وصارت نسيا منسيا من الخرائط المصرية..


يمكن لأردوغان أن يحلم وأن يوسط الوسطاء وأن يرسل المراسيل .. وأن يعد شعبه بما يشاء .. ولكن عليه الدفع مقدما .. وهو يعلم مايجب عليه فعله كي يحظى بشرف المصافحة .. وبعدها يعود الى قمقمه العثماني..


التعليقات

إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها

لا يوجد تعليقات حالياً

شاركنا رأيك

Create Account



Log In Your Account